راديو إكسبرس
البث المباشر
في خضم التغيرات العميقة التي يعرفها القطاع الصحي بالمغرب، يبرز مشروع القانون القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 17.04 بمثابة مدونة الأدوية والصيدلة كواحد من أبرز الأوراش التشريعية التي تراهن عليها الدولة لتعزيز الأمن الصحي وترسيخ السيادة الدوائية. هذا المشروع لا يأتي من فراغ، بل يندرج ضمن رؤية استراتيجية يقودها جلالة الملك محمد السادس، تهدف إلى تقوية استقلالية المنظومة الصحية وضمان ولوج المواطنين إلى أدوية آمنة، فعالة، وبجودة عالية.
ويعكس هذا النص القانوني وعياً متزايداً بأهمية التحكم في سلاسل إنتاج وتوزيع الأدوية، خاصة بعد الدروس القاسية التي خلفتها جائحة كورونا، والتي كشفت هشاشة العديد من الأنظمة الصحية عبر العالم، بما فيها تلك التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد. من هنا، يسعى المغرب من خلال هذا المشروع إلى الانتقال من منطق التدبير الظرفي للأزمات إلى بناء منظومة دوائية متماسكة وقادرة على الصمود.
ومن بين أبرز رهانات هذا المشروع، سعي المملكة إلى تعزيز موقعها داخل المنظومة الصحية العالمية، خصوصاً عبر ملاءمة تشريعاتها مع المعايير التي تضعها منظمة الصحة العالمية. فإدراج الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية ضمن قائمة الهيئات التي بلغت مستويات متقدمة من النضج التنظيمي (المستوى الثالث أو الرابع) لا يمثل فقط اعترافاً دولياً بكفاءة النظام الرقابي المغربي، بل يشكل أيضاً بوابة نحو شراكات استراتيجية، واستثمارات أجنبية، وفرص لتصدير الأدوية نحو أسواق جديدة.
وعلى المستوى الداخلي، يهدف المشروع إلى إحداث نقلة نوعية في تأطير قطاع الأدوية، من خلال تحيين شروط الترخيص لتسويق الأدوية، وتعزيز الشفافية في مساطر منحها، بما يحد من البيروقراطية ويضمن في الآن ذاته سلامة المنتجات المتداولة. كما يولي أهمية خاصة لنظام اليقظة الدوائية، عبر إرساء آليات أكثر تطوراً لرصد وتتبع الآثار الجانبية، وهو ما يعزز حماية صحة المواطنين ويرفع من مستوى الثقة في المنظومة الصحية.
ولعل من بين الجوانب التي تستحق التنويه أيضاً، تقوية آليات مراقبة السوق، سواء قبل أو بعد تسويق الأدوية، إلى جانب توسيع اختصاصات التفتيش الصيدلي، في خطوة تروم التصدي بشكل أكثر صرامة للممارسات غير القانونية، وعلى رأسها ترويج الأدوية المزيفة أو غير المطابقة للمعايير. كما يمنح المشروع مرونة أكبر للسلطات المختصة في التعامل مع الحالات الاستثنائية، مثل الأوبئة والكوارث، بما يسمح بتسريع الإجراءات وضمان توفير الأدوية في الوقت المناسب.
غير أن هذا الطموح التشريعي، رغم أهميته، يطرح في المقابل عدداً من التساؤلات الجوهرية. فنجاح أي إصلاح قانوني يظل رهيناً بمدى فعالية تنزيله على أرض الواقع. هل تتوفر الإدارة على الموارد البشرية والتقنية الكافية لتفعيل مقتضيات المراقبة والتفتيش؟ وهل سيتمكن هذا المشروع من التأثير بشكل مباشر على أسعار الأدوية، التي تظل هاجساً يومياً لدى فئات واسعة من المغاربة؟ ثم إلى أي حد يمكن للصناعة الدوائية الوطنية أن تواكب هذه التحولات وتستفيد منها، في ظل منافسة شرسة من الشركات متعددة الجنسيات؟
إن مشروع قانون الأدوية، في جوهره، ليس مجرد تعديل تقني لنص قانوني قائم، بل هو تعبير عن إرادة لبناء نموذج صحي أكثر استقلالية ونجاعة. غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في جودة النصوص، بل في القدرة على تحويلها إلى سياسات عمومية ملموسة، تنعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين.
وبين طموح السيادة الصحية وتحديات الواقع، يبقى هذا المشروع اختباراً حقيقياً لمدى قدرة المغرب على كسب معركة الدواء، ليس فقط كمنتج، بل كحق أساسي لكل مواطن.
![]()








