راديو إكسبرس
البث المباشر
ام هاشم
تتحول بعض الملفات المرتبطة بتدبير الشأن المحلي، أحياناً، من مجرد قضايا إدارية عادية إلى مرايا تعكس أعطاباً أعمق في منظومة الحكامة الترابية. ومن بين هذه الملفات يبرز نزاع قضائي مرتبط بجماعة بوسكورة، لا يطرح فقط إشكالاً قانونياً حول مسطرة عقارية، بل يثير سلسلة من التساؤلات المقلقة حول تضارب المصالح وطريقة تدبير التقاضي عندما يتعلق الأمر بالمال العام.
القضية في ظاهرها بسيطة. يتعلق الأمر بمقرر جماعي صدر في إطار مسطرة نزع الملكية لأجل المنفعة العامة، همّ مجموعة من القطع الأرضية المرتبطة بمشروع يخص الطريق الإقليمية 3009. وقد تم اعتماد هذا المقرر خلال دورة جماعية رسمية ونشره في الجريدة الرسمية وفق المساطر القانونية المعمول بها.
غير أن إحدى القطع المعنية بهذه المسطرة تعود ملكيتها لمنتخب داخل المجلس الجماعي نفسه، كان يشغل في تلك الفترة منصب نائب للرئيس. وفي إطار المسطرة القضائية الخاصة بنزع الملكية، صدر حكم يقضي بنقل ملكية العقار لفائدة الجماعة مقابل تعويض محدد وفق الخبرة المعتمدة في مثل هذه القضايا.
إلى هنا يبدو المسار قانونياً ومألوفاً. لكن الوقائع تأخذ منحى مختلفاً عندما يتقدم صاحب العقار نفسه، وهو منتخب داخل الجماعة، بدعوى أخرى أمام المحكمة الإدارية بدعوى تعرضه لما يسمى قانونياً بالاعتداء المادي على نفس القطعة الأرضية.
وهنا يبرز السؤال الأول الذي يفرض نفسه: كيف يمكن لعقار يخضع لمسطرة نزع ملكية مؤطرة قانونياً أن يصبح، في الوقت نفسه، موضوع دعوى اعتداء مادي؟
السؤال الثاني يتعلق بمآل هذا النزاع أمام القضاء. فقد انتهت الدعوى المرتبطة بالاعتداء المادي بحكم يقضي بتعويض يفوق بشكل كبير التعويض المحدد في إطار مسطرة نزع الملكية. وهو ما يطرح تساؤلاً بديهياً حول الأساس الذي سمح بقيام مسارين قضائيين متوازيين يتعلقان بنفس العقار وبنفس الواقعة تقريباً.
غير أن الإشكال الأكثر إثارة يتجلى في مسار الدفاع عن مصالح الجماعة. فالمعطيات المتوفرة تشير إلى أن الحكم القضائي الصادر في ملف نزع الملكية لم يتم الإدلاء به ضمن مسطرة التقاضي المرتبطة بدعوى الاعتداء المادي، رغم أن هذا الحكم يشكل معطى قانونياً حاسماً في مثل هذا النزاع.
فهل يتعلق الأمر بسهو قانوني بسيط، أم أن الأمر يعكس خللاً في طريقة تدبير الدفاع عن مصالح الجماعة؟
تساؤل آخر يفرض نفسه بقوة عند التوقف عند دور المحامي الذي دخل على خط هذا الملف. فالمعطيات المتوفرة تشير إلى أن محامياً بهيئة الدار البيضاء ترافع في مرحلة أولى لفائدة صاحب الدعوى ضد الجماعة في هذا النزاع، قبل أن يصبح لاحقاً محامياً مكلفاً بالترافع لفائدة الجماعة نفسها في نفس الملف.
هنا تتجلى بوضوح شبهة تضارب المصالح. إذ كيف يمكن لمحام أن يكون في موقع الدفاع عن طرف ضد الجماعة، ثم ينتقل إلى تمثيل الجماعة نفسها في نفس القضية؟ وكيف يمكن التوفيق بين هذين الموقعين المتعارضين من الناحية المهنية والأخلاقية؟
ولا يقف الأمر عند هذا الحد. فالمعطيات نفسها تشير إلى أن هذا المحامي كان ينوب في ملفات أخرى ضد مصالح الجماعة في الفترة نفسها التي تم فيها التعاقد معه لتمثيل الجماعة أمام القضاء.
فكيف تم التحقق من وضعية تضارب المصالح قبل إبرام هذه الاتفاقية؟ ومن داخل المجلس الجماعي، من كان يفترض أن يتأكد من سلامة هذا المسار؟
ثم يطرح توقيت فسخ اتفاقية الترافع مع هذا المحامي سؤالاً إضافياً. فقد جاء هذا القرار خلال مرحلة حساسة من التقاضي، وهو ما ترتب عنه حضور الجماعة بدون دفاع خلال جلسة قضائية حاسمة في هذا النزاع.
هل كان الأمر مجرد خلل إداري عابر؟ أم أن الملف يكشف عن ارتباك أعمق في تدبير القضايا القضائية المرتبطة بالجماعة؟
وعندما نضع كل هذه المعطيات في سياق واحد، تظهر مفارقة لافتة: منتخب داخل المجلس الجماعي يقاضي الجماعة التي ينتمي إليها، ونزاع عقاري يسلك مسارين قضائيين مختلفين، ومحام ينتقل من الدفاع عن أحد الأطراف إلى تمثيل الطرف المقابل في نفس الملف.
هل نحن أمام مجرد تعقيد قانوني عادي؟ أم أمام حالة تطرح أسئلة حقيقية حول حدود تضارب المصالح داخل تدبير الشأن المحلي؟
هذا المقال يكتفي بطرح الأسئلة التي تفرضها الوقائع المتوفرة إلى حدود الساعة. أما تفاصيل هذا الملف القضائي، ومساره الكامل، والمعطيات المرتبطة به، فسيتم الكشف عنها في مقال لاحق قد يوضح ما إذا كان الأمر يتعلق بسوء تقدير إداري عابر، أم بملف يستدعي تدقيقاً أعمق في كيفية تدبير المال العام داخل بعض الجماعات الترابية.
![]()







