طيران ماليزيا الرحلة 370: اللغز الأكبر في تاريخ الطيران المعاصر الذي حير التكنولوجيا الحديثة.

طيران ماليزيا الرحلة 370: اللغز الأكبر في تاريخ الطيران المعاصر الذي حير التكنولوجيا الحديثة.

- ‎فيثقافة وفن, واجهة
Capture decran 2026 02 25 165437

راديو إكسبرس

البث المباشر

 

اوسار احمد /

مرحباً بكم مجدداً في “أرشيف المجهول”، حيث ننبش في دفاتر الغموض التي لم تجد لها التكنولوجيا تفسيراً، ونستعيد حكايا أولئك الذين عبروا بوابة اللاعودة في عصرِ الأقمار الصناعية والرادارات التي لا تنام. بعد أن كشفنا في حلقتنا السابقة أسرار هروب أو انتحار “هتلر”، ننتقل اليوم إلى لغزٍ هو الأكبر والأكثر رعباً في تاريخنا المعاصر؛ لغز طائرة لم تسقط فحسب، بل تبخرت بمحركاتها العملاقة وركابها المئتين وتسعة وثلاثين، في وقتٍ يظن فيه الإنسان أنه يراقب كل شبر على هذا الكوكب. استعدوا لربط الأحزمة، فنحن بصدد فتح الملف الأكثر تعقيداً في القرن الحادي والعشرين: “الرحلة MH370”.

تبدأ الحكاية في ليلة هادئة من ليالي الثامن من مارس عام 2014، حين أقلعت طائرة من طراز “بوينج 777” تابعة للخطوط الجوية الماليزية من مطار كوالالمبور متجهة إلى بكين. كان كل شيء يسير وفق الجدول المعتاد؛ الطائرة حديثة، الجو صحو، والركاب غارقون في أحلامهم أو مستعدون ليوم جديد. وفي الساعة 1:19 صباحاً، سُمع الصوت الأخير للقبطان “زهاري أحمد شاه” وهو يودع برج المراقبة الماليزي بعبارة روتينية: “تصبحون على خير.. ماليزيا 370”. كانت هذه الكلمات هي الوداع الأخير، فبمجرد دخول الطائرة منطقة “نقطة التسليم” بين المجال الجوي الماليزي والفيتنامي، حدث ما لا يمكن تفسيره؛ اختفت الطائرة تماماً من على شاشات الرادار المدني، وأُغلق جهاز “الترانسبوندر” الذي يحدد موقعها وهويتها يدوياً، لتتحول الطائرة العملاقة إلى شبح صامت يشق عتمة الليل.

لكن الرادارات العسكرية كشفت لاحقاً حقيقة أكثر غرابة؛ فالطائرة لم تسقط في مكان اختفائها، بل قامت بانعطاف حاد ومفاجئ نحو الغرب، ثم عادت وعبرت شبه جزيرة ماليزيا، لتدور حول جزيرة سومطرة وتتجه جنوباً نحو أعماق المحيط الهندي الشاسعة. ظلت الطائرة تحلق لمدة ست ساعات كاملة بعد انقطاع الاتصال بها، وكأن هناك “يداً خفية” تقودها نحو أبعد نقطة ممكنة عن اليابسة. كانت الأقمار الصناعية التابعة لشركة “إنمارسات” تلتقط إشارات صامتة (Pings) تصدرها المحركات تلقائياً كل ساعة، وهي الإشارات التي رسمت المسار النهائي المرعب: الطائرة كانت تتجه نحو “القوس السابع” في جنوب المحيط الهندي، حيث لا توجد جزر، ولا سفن، ولا شيء سوى الأمواج العاتية والأعماق التي تصل لآلاف الأمتار.

شنت دول العالم أضخم وأغلى عملية بحث في تاريخ البشرية؛ سُخرت الأقمار الصناعية، والغواصات الآلية، وكبار خبراء الملاحة، لكن المحيط الهندي رفض أن يسلم سره. استمر البحث لسنوات، ولم يُعثر سوى على قطع صغيرة من حطام الطائرة (مثل الجناح المتحرك “الفلابرون”) التي جرفتها الأمواج إلى سواحل أفريقيا وجزيرة ريونيون بعد شهور طويلة. هذه القطع أكدت أن الطائرة تحطمت بالفعل في المحيط، لكنها لم تخبرنا أبداً “لماذا؟”. فهل كان الأمر انتحاراً من القبطان الذي وُجدت على جهاز محاكاة الطيران في منزله مسارات تشبه مسار الرحلة الأخير؟ أم كان عطلاً فنياً كارثياً أدى إلى نقص الأكسجين وفقدان الطاقم للوعي، لتستمر الطائرة في الطيران كـ “طائرة شبح” حتى نفد وقودها؟ أم أن هناك طرفاً ثالثاً تدخل في أنظمة الطائرة المعقدة؟

يبقى لغز MH370 يمثل الصدمة الأكبر للتكنولوجيا الحديثة؛ ففي عالم “الجيف بي أس” والاتصال الدائم، كيف يمكن لطائرة بحجم مبنى أن تضيع وتختفي في كوكبنا الصغير؟ تظل عائلات الضحايا تنتظر إجابة لن تأتي، ويظل الصندوق الأسود قابعاً في ظلمات القاع، يحرس الحقيقة التي قد لا نعرفها أبداً. إنها الجريمة أو الحادثة التي أثبتت أن المحيطات لا تزال تمتلك مناطق “خارج التغطية”، وأن المجهول لا يزال يتربص بنا خلف ستار الغيوم. وهكذا نغلق ملف “الرحلة التائهة” في أرشيف المجهول، تاركين صدى صوت القبطان يتردد في الأثير: “تصبحون على خير”، في ليلة لم يشرق فجرها بعد.

Loading

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *