راديو إكسبرس
البث المباشر
نجيبة جلال /
المكسيك اليوم ليست مجرد خبر أمني عابر، بل حالة سياسية تكشف معنى الدولة حين تُختبر. ما جرى عقب مقتل زعيم كارتيل Jalisco Nueva Generación المعروف باسم El Mencho لم يكن مجرد عملية أمنية ناجحة، بل لحظة انفجار تبرز طبيعة الصراع بين الدولة ومنظومات الجريمة المنظمة.
خلال ساعات، اشتعلت عشرات المناطق. أُحرقت سيارات، أُغلقت طرق، وتحولت الجغرافيا إلى رسالة عنف مفتوحة. هذه ليست فقط ردة فعل عصابة على فقدان زعيمها، بل محاولة لإعادة فرض الهيبة عبر الفوضى. الكارتيلات لا تتحرك بمنطق عاطفي، بل بمنطق استراتيجي: حين تُضرب القيادة، يجب أن يظهر الامتداد.
لكن ما لا يراه كثيرون هو أن الدولة، حين تقرر استهداف شخصية بحجم El Mencho، لا تتحرك بدافع اللحظة. القرار الأمني في مثل هذه العمليات هو نتيجة مسار طويل من جمع المعلومات، واختراق الشبكات، والتنسيق بين أجهزة متعددة، وتقدير دقيق لتبعات ما بعد التنفيذ. الدولة لا تعمل برد الفعل، بل بمنطق الحسابات المركبة.
وهنا تتجلى طبيعة الدولة الحديثة.
الدولة ليست فضاءً مفتوحًا للشرح اللحظي، وليست بثًا مباشرًا يُفصل فيه كل شيء أمام الجمهور. الدولة جهاز معقد، يقوم على توزيع الوظائف، وعلى وجود مجالات سيادية تُدار بمنطق السرية الاستراتيجية. ليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُقال يُفهم في لحظته.
في المجتمعات التي لم تستوعب بعد هذا الفارق بين منطق الدولة ومنطق المنصات، تظهر ظاهرة خطيرة: تطبيع الخوض في العمل الأمني كما لو كان مادة نقاش يومي عادي. هنا يتحول الملف السيادي إلى موضوع سجال، وتصبح العمليات الحساسة مادة للتأويل الفوري، لا للتحليل الرصين.
هناك فرق بين الصحافة المسؤولة التي تراقب أداء المؤسسات في إطار القانون، وبين صناعة الإثارة حول ملفات أمنية معقدة. الفرق بين النقد الذي يعزز دولة القانون، وبين خلق مناخ دائم من الشك يضعف ثقة المجتمع في مؤسساته دون تقديم بديل حقيقي.
حين يتحول الحديث عن الأمن إلى وسيلة للتموقع أو لإنتاج الجدل، فإننا لا نمارس ديمقراطية متقدمة، بل نقترب من تفكيك الحدود الوظيفية داخل الدولة. العمل الأمني ليس مجالاً للاستعراض، بل وظيفة سيادية ترتبط بحماية الأرواح، وضبط التوازنات، ومنع الانهيار.
المكسيك تقدم درسًا واضحًا. القضاء على زعيم لا يعني نهاية المنظومة. بل أحيانًا يفتح مرحلة أكثر حساسية، تتطلب إدارة دقيقة للفراغ، ومنع الاقتتال الداخلي بين الأجنحة، وضبط ردود الفعل العنيفة. الدولة تعلم أن المواجهة مكلفة، لكنها تعلم أيضًا أن ترك المنظومات الإجرامية تتمدد أخطر بكثير.
السؤال الحقيقي ليس لماذا لا نعرف كل التفاصيل، بل هل من الحكمة أصلًا أن نعرفها كلها في لحظتها. الشفافية قيمة أساسية، لكن في المجال الأمني تُدار وفق توازن دقيق بين الحق في المعلومة وضرورات الحماية.
الثقة في المؤسسات ليست طاعة عمياء، بل وعي بطبيعة الأدوار. المواطن لا يملك كل المعطيات الاستخباراتية، ولا ينبغي أن يملكها. دوره أن يحاسب ضمن الأطر القانونية، وأن ينتقد بوعي، لا أن يحوّل كل عملية إلى مادة تشكيك فوري.
في زمن تتكاثر فيه الأصوات التي تفسر الأحداث في ثوانٍ، وتقدم قراءات جاهزة قبل اكتمال الصورة، يصبح من الضروري التمييز بين الفهم وبين الانفعال. الدولة لا تُدار بمنطق اللحظة، بل بمنطق الاستمرارية.
ما يحدث في المكسيك ليس قصة عن كارتيل فقط. إنه قصة عن معنى السيادة حين تتعرض للاختبار، وعن هشاشة التوازن حين تتغذى شبكات الجريمة على الفوضى. وهو في الوقت نفسه تذكير بأن قوة الدولة لا تقاس بضجيجها، بل بقدرتها على إدارة الأزمات بصمت وفعالية.
الأمن ليس مادة يومية للاستهلاك، بل ركيزة وجود. والدولة ليست مشهداً عابراً، بل بنية معقدة تتطلب وعيًا جماعيًا بطبيعتها وحدودها.
هذه هي الخلاصة التي ينبغي أن نستخلصها: حين تتحرك الدولة، فإنها تتحرك ضمن حسابات لا تختزل في العناوين، ولا تُفهم من أول تعليق. ومن الحكمة أحيانًا أن نقرأ المشهد بعمق، لا أن نندفع إلى تفسيره قبل أن يكتمل.
![]()






