القرصان الأنيق “دي بي كوبر”: الخاطف الذي إختطف طائرة وإختفى للأبد

القرصان الأنيق “دي بي كوبر”: الخاطف الذي إختطف طائرة وإختفى للأبد

- ‎فيثقافة وفن, واجهة
Capture decran 2026 02 22 165558

راديو إكسبرس

البث المباشر

 

اوسار احمد/

مرحباً بكم مجدداً في “أرشيف المجهول”، حيث نفتح الملفات التي لم يجرؤ الزمن على إغلاقها، ونقتفي أثر أولئك الذين عبروا حدود المنطق وتلاشوا في ضباب الحيرة. بعد أن سافرنا في حلقتنا السابقة إلى غابات “روانوك” الغامضة، ننتقل اليوم إلى عصر أحدث، وتحديداً إلى ليلة باردة وماطرة من خريف عام 1971. قضيتنا اليوم ليست عن اختفاء جماعي أو سفن أشباح، بل عن رجل واحد، هادئ، وأنيق، استطاع أن ينفذ “الجريمة الكاملة” ثم يقفز حرفياً من صفحات التاريخ إلى المجهول. استعدوا للهبوط الاضطراري، فنحن على وشك فتح ملف القرصان الجوي الأكثر غموضاً في تاريخ المخابرات الأمريكية: “دي بي كوبر”.
بدأت الحكاية في الرابع والعشرين من نوفمبر عام 1971، عشية عيد الشكر، في مطار بورتلاند الدولي. رجل في منتصف العمر، يرتدي بدلة داكنة، قميصاً أبيض مكوي بعناية، وربطة عنق سوداء، تقدم إلى منضدة تذاكر شركة “نورث ويست أورينت” وطلب تذكرة ذهاب فقط إلى سياتل. سجل اسمه ببساطة: “دان كوبر”. لم يلفت كوبر انتباه أحد؛ فقد بدا كرجل أعمال عادي، هادئ الملامح، يحمل حقيبة يد سوداء. صعد إلى الطائرة “بوينج 727” وجلس في المقعد (18C)، وطلب مشروباً بينما كان ينتظر الإقلاع. لم يكن أحد من الركاب الستة والثلاثين يتخيل أن هذا الرجل الذي يجلس بجانبهم بهدوء، يخطط لعملية ستظل لغزاً لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) لأكثر من نصف قرن.
بمجرد إقلاع الطائرة، استدعى كوبر المضيفة “فلورنس شافنر” وسلمها ورقة صغيرة. في البداية، ظنت المضيفة أنه مجرد رجل يحاول مغازلتها فوضعت الورقة في حقيبتها دون قراءتها، لكن كوبر انحنى نحوها وقال بهدوء مخيف: “آنستي، من الأفضل أن تنظري إلى الورقة، أنا أحمل قنبلة”. فتحت المضيفة الورقة لتجد عبارات كتبت بخط واضح: “لدي قنبلة في حقيبتي، سأستخدمها إذا لزم الأمر، أريدك أن تجلسي بجانبي”. فتح كوبر حقيبته جزئياً ليريها مجموعة من الأسلاك وبطارية وديناميت، ثم أملى شروطه ببرود تام: مئتا ألف دولار من العملات غير المتسلسلة، وأربع مظلات قفز، وشاحنة وقود تنتظر في سياتل لإعادة تزويد الطائرة.
عندما هبطت الطائرة في سياتل، تمت تلبية جميع شروطه؛ تسلم كوبر الأموال والمظلات، وأطلق سراح الركاب وبعض أفراد الطاقم، لكنه أبقى على الطيارين ومضيفة واحدة. أمر كوبر الطيار بالتحليق نحو مكسيكو سيتي، وبشروط غريبة: الطيران على ارتفاع منخفض جداً، وبسرعة بطيئة، ومع بقاء عجلات الهبوط متدلية وخفض جنيحات الطائرة. وبينما كانت الطائرة تحلق وسط عاصفة رعدية ومطر غزير فوق غابات واشنطن الموحشة، فعل كوبر ما لم يتوقعه أحد. قام بإنزال السلم الخلفي للطائرة، وربط أكياس المال حول خصر، وارتدى إحدى المظلات، ثم قفز في ظلام الليل الدامس ودرجة حرارة تصل إلى عشرين تحت الصفر.
منذ تلك اللحظة، اختفى “دان كوبر” تماماً. شنت السلطات الأمريكية واحدة من أوسع عمليات البحث في التاريخ، مشطت الغابات والجبال ونبشت ضفاف الأنهار، لكنها لم تجد مظلة، ولا بدلة، ولا جسداً. لم يكن هناك أي أثر يثبت هل نجا كوبر من سقطته المستحيلة وسط العاصفة أم أن الغابات ابتلعته. استمر الصمت لسنوات، حتى عام 1980، حين وجد طفل صغير كان يتنزه مع عائلته على ضفة نهر “كولومبيا” رزمة من الأوراق النقدية المهترئة والمتحللة، بلغت قيمتها حوالي ستة آلاف دولار. كانت الأرقام التسلسلية تطابق تماماً أموال الفدية التي سُلمت لكوبر، لكن الغريب أن الموقع كان بعيداً عن مسار القفز المفترض، ولم يكن هناك أي أثر لصاحب المال.
تعددت النظريات حول هوية كوبر؛ البعض قال إنه كان خبيراً في القفز المظلي العسكري، والبعض الآخر اعتقد أنه موظف سابق في شركة طيران يعرف خبايا طائرة البوينج 727. وضع مكتب التحقيقات الفيدرالي آلاف المشتبه بهم تحت المجهر، من “ريتشارد مكوي” الذي نفذ عملية مشابهة لاحقاً، إلى “شيريدان بيترسون” الذي كان يهوى القفز المظلي. لكن كل الأدلة كانت تصطدم بطريق مسدود. في عام 2016، وبعد خمسة وأربعين عاماً من التحقيقات المضنية، قرر الـ FBI إغلاق الملف رسمياً، معتبراً أن القضية استنفدت كل الحلول الممكنة، ليظل “دي بي كوبر” المجرم الوحيد في تاريخ الطيران الأمريكي الذي لم يتم القبض عليه أو حتى التعرف على هويته الحقيقية.
هل كان كوبر عبقرياً خطط لكل شيء بدقة واختفى ليعيش بقية حياته بسلام؟ أم أنه كان منتحراً غامراً قفز نحو حتفه في غابة لم تترك منه شيئاً؟ تبقى ربطة عنقه السوداء التي تركها على مقعد الطائرة هي الأثر الوحيد الملموس منه، شاهدة على ليلة تجرأ فيها رجل مجهول على تحدي الجاذبية والقانون، ثم تلاشى كما يتلاشى الدخان في مهب الريح. وهكذا نغلق ملف “القرصان الأنيق” في أرشيف المجهول، تاركين خلفنا رجلاً قفز في الظلام ليصبح أسطورة لا تموت.

Loading

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *