بمعاش سمين ولسان سليط.. بنكيران يوزع المواعظ

بمعاش سمين ولسان سليط.. بنكيران يوزع المواعظ

- ‎فيواجهة, رأي
Capture decran 2026 02 18 000506

راديو إكسبرس

البث المباشر

اوسار احمد

لم تكن الخرجة الإعلامية الأخيرة لعبد الإله بنكيران مجرد زلة لسان أو موقف سياسي عابر، بل بدت محاولة مدروسة ويائسة لإعادة التموضع في مشهد سياسي تجاوزه. الرجل الذي تربع على عرش السلطة التنفيذية لعقد كامل، يعود اليوم ممتطياً صهوة خطاب هجومي، يوزع فيه صكوك الغفران والاتهامات يميناً ويساراً، في استعراض يراهن على دغدغة العواطف وإثارة الجدل أكثر من ارتكازه على أي هندسة سياسية واضحة أو بديل حقيقي قابل للتطبيق.

ولعل المتمعن في بنية هذا الخطاب يدرك أنه لا يستقيم دون اختراع طواحين هواء ومحاربتها. ولأن الواقع معقد، يلجأ بنكيران إلى تكتيك شعبوي كلاسيكي يقوم على صناعة خصم هلامي ومطاطي يشمل الجميع؛ أحزاباً منافسة، فاعلين اقتصاديين، بل وحتى “النظام الاقتصادي” برمته. هذا التوسيع المتعمد لدائرة الاستهداف ليس شجاعة سياسية، بل هو تكتيك لخلق سردية مظلومية وهمية تضع “الشعب النقي” في مواجهة “النخبة الفاسدة”، وهي استراتيجية تعبئة رخيصة تختزل تعقيدات الدولة في ثنائية ملائكية وشيطانية لا توجد إلا في مخيلة قائلها.

غير أن المفارقة الكبرى في هذا الأداء تكمن في محاولة الرجل اليائسة للتنصل من ماضيه القريب. يتحدث اليوم بلسان المعارض الشرس، متناسياً أنه كان كبير مهندسي السياسات التي يكتوي بنارها المغاربة اليوم. أليس هو من وقّع بيمينه على قرارات استراتيجية أعادت تشكيل السوق، وفي مقدمتها تحرير أسعار المحروقات ورفع الدعم عبر إصلاح صندوق المقاصة؟ إن محاولته اليوم محاكمة سياسات الدولة متجاهلاً حقبة امتدت لعشر سنوات (2011-2021)، هي ما يسميه التحليل السياسي بـ”الانفصام السردي”.

إنه يلعن المنظومة التي كان بالأمس القريب حارسها الأول، متناسياً أن الدولة تعني الاستمرارية، وأن قراراته زرعت ألغاماً ماكرو-اقتصادية لا نزال ندفع ثمنها حتى اللحظة.
وعلى مستوى الشكل، يمتلك بنكيران ولا شك مهارة لغوية لا تُنكر، لكنه نسي كيف يقنع. يعتمد خطابه على الإيقاع الشفهي، النكتة الساخرة، والاستطرادات التي تدغدغ الغرائز اليومية للبسطاء. هذا “الضجيج اللغوي” قد يخلق تفاعلاً لحظياً وقرباً عاطفياً، لكنه يتبخر عند أول سؤال جدي: ماذا تقترح عملياً؟ السياسة في عُرف بنكيران تحولت إلى مجرد “أداء مسرحي” يفتقر لأي بنية حجاجية صارمة، أو أرقام، أو مقترحات قابلة للتقييم، ليتحول الخطاب إلى بيع للكلام في سوق تتطلب حلولاً جذرية.
أما الطامة الكبرى التي تنسف مصداقية هذه السردية من جذورها، فتتجلى في مقاربته لمسألة “الريع”. يقف رئيس الحكومة الأسبق خطيباً مفوهاً ضد الامتيازات غير المستحقة، في الوقت الذي يستفيد فيه شخصياً من معاش استثنائي ضخم. من منظور أخلاقي وسياسي، هذه ليست تفصيلة عابرة؛ إنها “اختلال تداولي” يفضح المتكلم. فكيف لمن يقتات من ريع استثنائي أن ينصب نفسه حامياً للمال العام ومحارباً للفساد؟ إن الخطاب الذي يرفع شعار العدالة يفقد كل مبررات وجوده حين يرفض صاحبه أن يُخضع نفسه للمعايير ذاتها التي يطالب بها الآخرين.

لا يجادل عاقل في أن المعارضة ركن أساسي في أي ديمقراطية، وحق أصيل لا ينازع فيه أحد. لكن المشهد المغربي اليوم، والمواطن المنهك بتضخم الأسعار وتحديات التشغيل، أذكى من أن يُستغفل بخطب رنانة. المغاربة لا ينتظرون بلاغة حادة تعيد تدوير خطاب الصراع، بل ينتظرون تصوراً اقتصادياً واجتماعياً ينتشلهم من الأزمة.

الذاكرة السياسية ليست قصيرة لكي تمحو عقداً من الحكم بخطبة معارِضة متأخرة، ومن يطلب ثقة جديدة، عليه أولاً أن يمتلك شجاعة مواجهة إرثه بوضوح. ما عدا ذلك، سيبقى الأمر مجرد صراخ في وادٍ، وعودة باهتة إلى المسرح… بلا نص جديد.

Loading

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *