راديو إكسبرس
البث المباشر
نجيبة جلال/
ليست كل اللحظات السياسية قابلة للقراءة من سطحها. فبعضها لا يُفهم إلا إذا أُعيد ربط الظاهر بما يتحرك تحته، وربط اللحظة بالمسار، والحدث بالاتجاه. والسنة الجارية في المغرب لا يمكن اختزالها في كونها سنة انتخابات، بل هي في جوهرها سنة إعادة ضبط عميقة، وسنة اختبار صامت، وسنة يمكن توصيفها، دون افتعال، بأنها سنة ترويض الفيلة.
الدولة المغربية، وهي تدخل هذه المرحلة، لا تتحرك بمنطق رد الفعل، بل بمنطق السبق. سبقت الزمن السياسي بزمن تنموي، وسبقت حسابات الحملات بحسابات الاستمرارية، ووضعت الفاعلين أمام إيقاع جديد لا يُدار بالخطابة ولا يُختزل في الصراع على المقاعد. ما يجري ليس تنافس مواقع، بل إعادة تعريف للأدوار داخل بنية سياسية ومؤسساتية يعاد تشكيلها بهدوء.
المغرب الذي يتشكل اليوم ليس مغرب الشعارات الثقيلة والوعود الفضفاضة، بل مغرب الدولة التي تعرف ما تريد، ومتى تتحرك، وكيف تفرض إيقاعها دون حاجة إلى رفع الصوت. أوراش كبرى تُفتح، اختيارات استراتيجية تُحسم، ومؤسسات تتحرك بثقة دولة تجاوزت مرحلة التبرير ودخلت مرحلة الفعل. في هذا السياق، يتحول الضجيج إلى عبء، ويصبح الثقل غير المصحوب بقدرة على التكيف عامل إعاقة لا مصدر قوة.
هنا تظهر الفيلة في المشهد. كتل سياسية وإدارية راكمت وزنًا عبر الزمن، لكنها لم تُحدّث أدواتها، ولم تُجدّد لغتها، ولا تزال تتصرف وكأن الزمن متوقف عند لحظة صعودها الأولى. المشكلة لا تكمن في الحجم، بل في العجز عن الحركة داخل مساحات جديدة. الفيل، حين يرفض التعلم، لا يعرقل نفسه فقط، بل يربك المسار بأكمله.
وسنة ترويض الفيلة لا تعني الإقصاء ولا الكسر، بل تعني منطقًا أدق وأقسى في آن واحد. تعني أن الدولة لم تعد تعيد ترتيب المشهد على مقاس أحد، وأن الكرسي لم يعد غاية في ذاته، بل وظيفة مؤقتة داخل مسار أطول. من يعتقد أن البقاء في الصورة يمر عبر التشبث لا عبر التحول، لم يقرأ التحول جيدًا.
الرسالة لا تُوجَّه إلى الداخل وحده، بل إلى الخارج أيضًا. المغرب يقدم نفسه اليوم بوجه مختلف: دولة مستقرة لأنها تتحرك، قوية لأنها مرنة، واثقة لأنها تدير الاختلالات ضمن رؤية بعيدة المدى. هذا الوجه الجديد لا يُصنع في موسم انتخابي، بل في مسار طويل تُختبر فيه النخب قبل أن تُختبر الصناديق.
في مثل هذه السنوات، لا تسقط الفيلة دفعة واحدة، لكنها تُجبر على التعلم أو تُترك خارج الطريق. والتاريخ، كما يثبت دائمًا، لا يرحم من يصرّ على الجلوس حين يُطلب منه أن يتحرك.
![]()






