راديو إكسبرس
البث المباشر
بقلم نجيبة جلال/
قلما تصدر البيانات المهنية لتقول أكثر مما يبدو على سطحها، غير أن البيان الصادر عن الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين لا يمكن قراءته بوصفه رد فعل تقنيًا على قرار قضائي، بقدر ما هو وثيقة سياسية بامتياز، تكشف، من حيث لا تدعي، عن اختلال عميق في فهم بعض الفاعلين لمعنى الرقابة الدستورية وحدود الممارسة السياسية حين تتقاطع مع مؤسسات الدولة.
البيان في جوهره يثمن قرار المحكمة الدستورية، لا لأنه أعطى جوابًا قانونيًا فقط، بل لأنه أعاد ضبط الإيقاع بين الشرعية والمشروعية، وبين السياسة بوصفها اختلافًا والمؤسسات بوصفها استمرارية. وهذه نقطة جوهرية، لأن أخطر ما يواجه الدول ليس الخلاف، بل العبث بزمن المؤسسات تحت غطاء الخلاف.
لكن الأهم في البيان ليس ما قاله عن المحكمة، بل ما قاله صراحة أو ضمنًا عن المعارضة. فحين يتحدث عن المنهج الانتقائي في الإحالة على المحكمة الدستورية، فهو لا يناقش حقًا دستوريًا، بل يضع اليد على ممارسة سياسية حوّلت آلية الرقابة من وظيفة توازن إلى وسيلة تعطيل.
هنا يصبح السؤال سياسيًا لا قانونيًا. هل كانت الإحالة تهدف إلى تقويم نص، أم إلى تجميد مؤسسة. وهل كانت المعارضة، وهي تمارس دورها، تقدر كلفة ما تفعل على قطاع هش، أم أنها اكتفت بمنطق تسجيل الموقف.
البيان يقدم الجواب، لا عبر الاتهام، بل عبر الوقائع. فتعطيل تسليم البطاقات المهنية، وتأخر أجور موظفي المجلس، وتجميد مسار الاتفاقيات الجماعية، ليست تفاصيل إدارية، بل مؤشرات على أن الزمن المهني للصحافة قد أخرج من حسابات السياسة.
وهنا تكمن خطورة ما جرى. فالصحافة ليست حزبًا ولا جبهة ولا ساحة اختبار. هي جزء من البنية العميقة للدولة الحديثة. وحين تصاب مؤسساتها بالشلل، فإن الضرر لا يلحق بالمهنيين وحدهم، بل يصيب حق المجتمع في إعلام منتظم ومستقر وقابل للمساءلة.
اللافت في بيان الجمعية أنه لا يقدم نفسه كصرخة، بل كتحذير. تحذير من تحويل الصحافة إلى ورقة تفاوض، ومن التعامل معها كصندوق للتجريب السياسي. وهي عبارة، في ظاهرها هادئة، لكنها في عمقها إدانة ثقيلة، لأنها تعني أن هناك من يتعامل مع قطاع استراتيجي بعقلية اللعب لا بعقلية الدولة.
من هنا يمكن القول إن هذا البيان لا يدافع فقط عن مهنة، بل عن فكرة. أن الدستور لا يستعمل انتقائيًا، وأن المعارضة مثلها مثل الأغلبية محكومة بمنطق المسؤولية، وأن المؤسسات لا تعطل باسم السياسة، لأن كلفة التعطيل غالبًا ما تكون أعلى من أي ربح سياسي مؤقت.
التاريخ كما نعرف لا يكتب البيانات، لكنه يقرأها جيدًا. وهذا البيان، في ما بين سطوره، سيقرأ طويلًا بوصفه لحظة قالت فيها الصحافة بهدوء وحزم. نحن لسنا طرفًا في الصراع، لكننا لسنا وقوده أيضًا.
![]()




