راديو إكسبرس
البث المباشر
قبل عشرين سنة، أثار مقال ساخر بعنوان «أسرار سمراء» جدلاً قانونيًا في المغرب، عندما رأت النائبة حليمة العسالي أن ما نُشر يمس كرامتها وشرفها. اليوم، في عصر الفضاء الرقمي، تتكرر وقائع التشهير ولكن بأدوات وأثر مختلف، ما يجعل المقارنة بين الماضي والحاضر ضرورية لفهم حدود المسؤولية الصحافية. هذه المقارنة تكشف كيف يمكن للصحافة أن تتحول من أداة للتحليل والرصد إلى ساحة لتراكم المظلومية، وتوضح أن القضاء لا يحاكم الصحافة بل يحاكم الأفعال وآثارها، عبر دروس قانونية وتاريخية يمكن الاستفادة منها.
نجيبة جلال/
يواصل حميد المهداوي خرجاته الإعلامية عبر قناته الخاصة، مستفيدًا من امتدادات في منصات وأصوات لم تستطع فرض ذاتها على الرأي العام من خلال عمل مهني رصين أو تراكم تحريري واضح. بعضها يشتغل وفق أجندات خارجية معروفة، وبعضها الآخر يستثمر خطاب الابتزاز السياسي، من خلال إعادة تدوير سردية جاهزة عنوانها الاستهداف والتراجع الحقوقي.
في الأصل، لا يتعلق الأمر بحرية الصحافة، بل بشكايات قانونية وضعها وزير العدل عبد اللطيف وهبي، انتهت إحداها بحكم قضائي يقضي بسنة ونصف سجن نافذ وغرامة مالية قدرها 150 مليون سنتيم. هذا الحكم صدر باسم القانون، بعد مسار تقاضي معلوم، وليس نتيجة قرار سياسي أو تعليمات فوقية كما يحاول الخطاب الشعبوي الإيحاء.
غير أن المهداوي، ومعه يونس مسكين وأصوات أخرى تقدم نفسها كضمير مهني، يفتقدون إلى الحد الأدنى من النزاهة التي تخوّل تناول الوقائع من زاوية تحليلية متوازنة. فهم لا يناقشون الأحكام في سياقها القانوني، ولا يقارنونها بسوابقها التاريخية، ولا يعترفون بتحول الوسيط الإعلامي وأثره على حجم الضرر، لأن القيام بذلك سيُسقط تلقائيًا سردية المظلومية التي يقتاتون عليها.
هنا أوجه سؤالًا إلى زميلي يونس مسكين، وحتى دفاع المهداوي: أما المهداوي فهو مُرفوع عنه قلم السؤال. هل تذكر، يا يونس، ملف حليمة العسالي ضد مجلة تل كيل سنة 2005؟ حين أثار مقال ساخر بعنوان أسرار سمراء للصحفي كريم البخاري جدلاً قانونيًا حادًا، بعد أن رأت النائبة البرلمانية آنذاك، عضوة حزب الحركة الشعبية، أن مضمون المقال — الذي وصف شخصية تشبهها بشيخة، أي فنانة شعبية سابقة — يشكل قذفًا وتشهيرًا يمس كرامتها وشرفها. رغم أن المقال لم يذكر اسمها صراحة، رفعت العسالي دعوى قضائية أمام محكمة الدار البيضاء ضد المجلة وصحفيها.
وأيدت محكمة الاستئناف حكم الغرامة والسجن الموقوف، مع الإبقاء على تعويض كبير لصالح العسالي، بعد أن خفّضت المحكمة قيمة التعويض من مليون درهم في الحكم الابتدائي إلى 800 ألف درهم في الاستئناف. لاحقًا، أعلنت العسالي أنها تتنازل عن حقها في استيفاء التعويض، مؤكدة أن المال لا يقدر الكرامة، وأن موقفها الأخلاقي أعلى وأسمى من أن يقاس بمقابل مالي.
لنتأمل السياق: الملف يعود إلى نحو عشرين سنة، وتعلّق بنص واحد نُشر مرة واحدة في مجلة ورقية فرانكفونية محدودة الانتشار، في زمن لم تكن فيه الشبكات الاجتماعية قد حولت التشهير إلى فعل مفتوح ومستمر. لم تكن منصة رقمية، ولم يكن لها أثر الشبكات الاجتماعية، كما أن نسبة المقروئية العامة للصحافة الفرنسية في المغرب لم تتجاوز تاريخيًا 25 في المئة. أي أننا أمام فعل صحافي محدود الأثر، محكوم بسياقه الزمني والتقني.
في المقابل، ملف حميد المهداوي يقوم على أكثر من تسعين فيديو، مع إعادة متكررة للاتهام في فضاء رقمي مفتوح، حيث يصبح الضرر تراكميًا ومتجددًا وقابلًا لإعادة الانتشار في كل لحظة، ومع ذلك لم تتجاوز الغرامة 150 مليون سنتيم.
لو توفّر لدى يونس مسكين والآخرين الحد الأدنى من المهنية، لكان هذا المعطى وحده كافيًا لإعادة النظر في خطاب الحكم القاسي. لكن المقارنة الجدية تقتل السردية، والتحليل القانوني ينسف خطاب الضحية، لذلك يُتجاوز عمدًا.
القضية، إذن، ليست معركة حول حرية التعبير، بل حول المسؤولية المهنية. القضاء لا يحاكم الصحافة، بل يحاكم الأفعال وآثارها. ومن يرفض الاعتراف بهذا المبدأ، لا يدافع عن المهنة، بل يستعملها درعًا لإدامة مظلوميته.
الصحافة ليست ملكًا لأحد، ولكن الشرعية المهنية لا تحددها السجون أو المسرحيات المعارضة. الشرعية التاريخية لمن يحب المهنة ويقدر حجم المسؤولية التي يمنحها له القلم.
![]()



