راديو إكسبرس
البث المباشر
عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا
رغم مشاهد الدمار المنقول يوميًا من غزة، والخطابات العربية الغاضبة في المحافل الدولية، تكشف وثائق مسرّبة من وزارة الدفاع الأمريكية عن واقع مغاير يدور خلف الكواليس: تعاون أمني وعسكري متقدم بين إسرائيل وست دول عربية، يجري بصمت تحت رعاية القيادة المركزية الأمريكية، في إطار ما يُوصف بـ”الهيكل الأمني الإقليمي الجديد”.
إنها مفارقة سياسية صارخة تكشف هشاشة الخطاب العلني، وتُظهر عمق التحول في هندسة التحالفات الإقليمية، حيث باتت إسرائيل، رغم حربها المثيرة للجدل في غزة، شريكًا غير معلن لدول طالما تبنّت مواقف حادة ضد سياساتها.
الوثائق المسرّبة، التي حصل عليها الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين ونشرت تفاصيلها واشنطن بوست، لم تكتفِ بكشف التعاون، بل حدّدت الأطراف: السعودية، الإمارات، قطر، مصر، الأردن، والبحرين. جميعها دول أدانت علنًا حرب إسرائيل على غزة، بعضها وصفها بـ”الإبادة الجماعية”، بينما كانت تعقد لقاءات عسكرية في الدوحة، القاهرة، عمان، والمنامة، بمشاركة ضباط إسرائيليين، وتحت إشراف مباشر من القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM).
ويبدو أن التهديد الإيراني كان القاسم المشترك الذي وحّد هذه الأطراف، إذ تُظهر الوثائق أن التنسيق تمحور حول تبادل المعلومات، تدريبات على اكتشاف الأنفاق، وأخرى في “العمليات المعلوماتية” لمواجهة “الدعاية الإيرانية”، بالإضافة إلى اجتماعات وصفت بـ”الرفيعة” في قاعدة العديد الجوية في قطر، حيث دخل الوفد الإسرائيلي بشكل غير معلن لتفادي تسريب الخبر.
المفارقة لا تكمن فقط في توقيت هذه اللقاءات، بل في مضمونها. فبينما كانت العواصم العربية تشهد احتجاجات ضد العدوان الإسرائيلي، ويعتلي قادتها المنابر في الأمم المتحدة للهجوم على “نظام الفصل العنصري” الإسرائيلي، كانت الأروقة العسكرية تشهد مستويات متقدمة من التنسيق مع الدولة نفسها.
الوثائق تشير إلى أن الكويت وعُمان لم تكونا طرفًا مباشرًا، لكن تم “إحاطتهما” بمضمون الاجتماعات، ما يعكس اتساع نطاق هذا الهيكل الأمني الجديد، حتى مع الحذر الرسمي لبعض العواصم.
وفي السياق نفسه، كشفت الوثائق عن تدريبات عسكرية أمريكية-عربية في قاعدة فورت كامبل الأميركية في يناير الماضي، خُصصت لمكافحة الأنفاق، في إشارة واضحة إلى استعدادات تشمل سيناريوهات مشابهة لتكتيكات حماس.
التحالف الذي ترعاه واشنطن ليس جديدًا، لكنه يبدو أكثر تطورًا وسرية في ظل النزاع القائم. إذ تعكس التسريبات سعيًا أمريكيًا حثيثًا لإعادة رسم خريطة الأمن الإقليمي بعيدًا عن منطق الاصطفاف التقليدي، مستندًا إلى مفهوم “الأمن المشترك ضد التهديد الإيراني”، والذي يوظَّف كمظلة لتبرير هذا التقارب المتسارع بين إسرائيل ودول عربية.
لكن المستجد اليوم هو تزامن هذا التعاون مع حرب دامية تسببت في مقتل آلاف الفلسطينيين، ودفعت الرأي العام العربي إلى أقصى درجات الغضب، ما يطرح تساؤلات حقيقية حول قدرة هذه الأنظمة على المناورة بين متطلبات الأمن ومقتضيات الشرعية الشعبية.
الوثائق المسرّبة تلمّح إلى أن هذا التعاون لن يتوقف، بل سيشكّل جزءًا من “ترتيبات ما بعد وقف إطلاق النار في غزة”، وهو ما يعني أن الحرب لم تُنهِ هذه العلاقات، بل ربما عمّقتها بصمت. بلغة أخرى: في الوقت الذي تتغير فيه المعادلات العسكرية على الأرض، تُبنى فوقها معادلات سياسية جديدة لا يُكشف عنها إلا حين تتسرّب الوثائق.
ما تطرحه الوثائق ليس مجرد خرق سياسي أو ازدواج في المواقف، بل كشف لتحول استراتيجي يحدث في صمت، يُمهد لتحالفات تتجاوز القضية الفلسطينية، وتعيد تشكيل المشهد الأمني في المنطقة على قاعدة “عدو عدوي صديقي”، ولو مؤقتًا.
في هذا السياق، تبدو غزة مجددًا ساحة صراع لا تخص فقط أهلها، بل تُستخدم أيضًا منصة لإعادة توزيع أوراق النفوذ الإقليمي، حيث تُعقد الشراكات في الغرف المغلقة، بينما يبقى الغضب الشعبي على الأرصفة، بانتظار خطاب جديد… أو خيبة جديدة.
![]()




