راديو إكسبرس
البث المباشر
بقلم: نجيبة جلال
في لحظة من لحظات السياسة العميقة التي تترجم رؤية الدولة وتعيد ترتيب سلم الأولويات، ألقى جلالة الملك محمد السادس، يوم الجمعة 10 أكتوبر 2025، خطابه أمام البرلمان، مفتتحاً السنة التشريعية الأخيرة من الولاية الحكومية الحالية.
خطاب سامٍ، بقدر ما هو دستوري في شكله، كان استراتيجياً في مضمونه، إذ قدّم خريطة طريق دقيقة للمرحلة المقبلة، محدداً بوضوح الاتجاه الذي يجب أن يسير فيه المغرب: ترسيخ العدالة الاجتماعية والمجالية كركيزة للمغرب الصاعد والمتضامن.
العدالة المجالية… من شعار إلى رؤية دولة
في مستهل التوجيهات الملكية، برز تأكيد قوي على ضرورة إعادة النظر في النموذج التنموي للمناطق الجبلية والهشة، التي تغطي ما يقارب 30 في المئة من التراب الوطني. ودعا جلالته إلى إطلاق سياسات عمومية مندمجة وموجهة تراعي خصوصيات هذه المناطق ومؤهلاتها.
لقد تجاوز الخطاب بذلك منطق التعاطي الموسمي مع قضايا التفاوت المجالي، نحو مقاربة استراتيجية تجعل من العدالة المجالية رهاناً دائماً على التنمية المتوازنة، وتعتبر كل رقعة من التراب الوطني عنصراً فاعلاً في تحقيق التماسك الاجتماعي والوحدة الوطنية.
نجاعة الاستثمار العمومي… من الكم إلى الكيف
وفي محور بالغ الأهمية، وضع جلالة الملك معياراً جديداً للحكامة العمومية، مؤكداً أن “أي تهاون في نجاعة ومردودية الاستثمار العمومي لم يعد مقبولاً”.
إنها رسالة واضحة إلى كل الفاعلين في الشأن العام، مفادها أن زمن المشاريع الشكلية والتدبير البيروقراطي قد ولى، وأن المرحلة المقبلة يجب أن تؤسس لثقافة **النتائج الملموسة والأثر الاجتماعي المباشر.
ودعا جلالته إلى اعتماد التحول الرقمي كأداة مركزية لضمان الشفافية والفعالية، وإلى تعبئة الطاقات والمؤسسات لتكون التنمية الترابية عنواناً للإنتاجية والابتكار لا مجرد تنفيذ للموازنات.
التنمية المحلية… مرآة المغرب الصاعد والمتضامن
حين قال الملك محمد السادس إن “مستوى التنمية المحلية هو المرآة الصادقة التي تعكس مدى تقدم المغرب الصاعد والمتضامن”، كان يضع بذلك ميزاناً وطنياً جديداً لتقييم السياسات العمومية.
فالرهان لم يعد على المؤشرات الكبرى وحدها، بل على مدى انعكاس السياسات على حياة المواطنين اليومية، في التعليم، والصحة، والتشغيل، والتأهيل الترابي.
التنمية المحلية، في فلسفة الخطاب الملكي، ليست مجرد دائرة من دوائر التدبير، بل هي المجال الذي تُختبر فيه إرادة الإصلاح وصدقية الدولة في تجسيد قيم الإنصاف والكرامة.
نحو تعبئة وطنية بروح المسؤولية
في ختام الخطاب، وجّه جلالة الملك نداءً صريحاً إلى الحكومة والبرلمان والأحزاب السياسية ووسائل الإعلام والمجتمع المدني، للمشاركة في تعبئة جماعية ومسؤولة ترقى إلى مستوى التحديات.
إنه نداء لبناء عقد اجتماعي جديد، قائم على الجدية والنزاهة ونكران الذات، تتجسد فيه روح المواطنة الفاعلة والشراكة في خدمة المصلحة العليا للوطن.
فالعدالة الاجتماعية والمجالية، كما وصفها جلالته، ليست أولوية ظرفية، بل خيار استراتيجي يرسم أفق المغرب في مرحلة ما بعد التحول، ويؤسس لتوازن جديد بين الإنسان والمجال، بين الدولة والمجتمع، وبين الطموح والإنجاز.
وهكذا، يظهر الخطاب الملكي أمام البرلمان ليس فقط كتوجيه سياسي، بل كوثيقة تأسيسية لمرحلة جديدة، تؤكد أن الجدية والإنتاجية والإنصاف هي المفاتيح الثلاثة لمغرب المستقبل.
![]()








