افتتاح “الكان” بالمغرب كما ينبغي أن يُقرأ !

افتتاح “الكان” بالمغرب كما ينبغي أن يُقرأ !

- ‎فيكأس الأمم الإفريقية 2025, واجهة
Capture decran 2025 12 22 223400

راديو إكسبرس

البث المباشر

 

 

أوسار احمد/

هناك لحظات لا تحتاج إلى كثير من الشرح، لأنها ببساطة تتكلم وحدها. افتتاح كأس أمم إفريقيا في المغرب كان من هذا النوع بالضبط. لم يكن مجرد حفل، ولا مباراة افتتاحية تُضاف إلى أرشيف البطولات، بل لحظة اختبار علني، ومرآة عاكسة لمسار بلد اختار أن يراكم بهدوء، ثم يترك التفاصيل تتولى مهمة الإقناع.
منذ الدقائق الأولى، بدا واضحًا أن ما يجري في الملعب يتجاوز كرة القدم. الإخراج، الإيقاع، الانضباط الزمني، وحتى طريقة استقبال الجمهور للحدث، كلها عناصر صنعت انطباعًا واحدًا: هنا تنظيم يُدار بثقة، لا بعصبية المناسبات الكبرى. لا ارتباك، لا استعجال، ولا حاجة إلى تضخيم الخطاب. كل شيء يسير كما لو أنه تمرين متقن على حدث أكبر.
ثم جاء الامتحان الذي لا يُجامل أحدًا: المطر. أمطار غزيرة، في توقيت حساس، وفي مباراة افتتاحية تتابعها عدسات العالم. هنا، سقط منطق الحظ، وبقي منطق الجاهزية. أرضية الملعب صمدت، التقنيات اشتغلت، والبرنامج استمر دون أن يفقد توازنه. لحظة صغيرة في ظاهرها، لكنها تختصر سنوات من الاستثمار في البنية التحتية، في الهندسة، وفي فهم معنى أن تستضيف وأنت مستعد لكل الاحتمالات.
نجاح الافتتاح لم يكن مفاجأة لمن يتابع التحولات التي عرفها المغرب في السنوات الأخيرة. الملاعب لم تُبنَ للصور التذكارية، بل لتتحمل الضغط، والجماهير، والطقس، ومتطلبات المنافسات الكبرى. التنظيم الأمني كان حاضرًا دون أن يكون مزعجًا، والجمهور ملأ المدرجات دون فوضى، وكأن الرسالة غير المكتوبة تقول: حين يكون الإعداد جديًا، يصبح الهدوء هو العنوان الأبرز.
خارجيًا، التقط الإعلام الدولي الإشارة بسرعة. التغطيات لم تتوقف عند النتيجة، بل عند السياق: بلد يعرف ماذا يريد، ويعرف كيف يقدّم نفسه. الافتتاح تحوّل، دون افتعال، إلى بطاقة تعريف جديدة للمغرب، عنوانها الجاهزية والثقة والقدرة على احتضان الأحداث الكبرى بنفس طويل.
في الخلفية، تراجع خطاب التشكيك المعتاد. ذلك الصوت الذي يراهن دائمًا على التعثر، ويترقب أي هفوة ليعلن فشلًا مسبقًا. ما حدث على الأرض كان أقوى من أي جدل، لأن الإنجاز حين يكون واضحًا، لا يترك مساحة كبيرة للتأويل.
رمزية حضور ولي العهد الأمير مولاي الحسن أضفت بعدًا إضافيًا على المشهد. حضور هادئ، غير متكلف، وتفاعل عفوي مع لحظة فرح جماعي. صورة تختصر فكرة الاستمرارية، وجيل قيادي يتشكل في فضاء القرب من الناس، لا في منصات معزولة.
كل ذلك يعيدنا إلى الفكرة الأساسية: الرياضة في المغرب لم تعد ملفًا هامشيًا، بل خيارًا استراتيجيًا ضمن رؤية أشمل يقودها الملك محمد السادس. رؤية تعتبر التنظيم، والبنية التحتية، والصورة الدولية، عناصر مترابطة في بناء مكانة الدولة.
افتتاح كأس أمم إفريقيا لم يكن إعلانًا دعائيًا صريحًا، ولا خطابًا موجهًا. كان، ببساطة، فعلًا منظمًا في توقيته، متماسكًا في تفاصيله، وواثقًا في نفسه. وهنا تحديدًا تكمن قوة الرسالة: حين ينجح الحدث، يصبح أفضل دعاية ممكنة. وحين يتكلم الواقع، لا يعود الكلام ضروريًا.

Loading

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *