أفريقيا ليست “الحل المناخي” الذي ينتظره العالَم

أفريقيا ليست “الحل المناخي” الذي ينتظره العالَم

- ‎فيمقالات رأي دولية, واجهة
مارثا جيتاتشو بيكيلي
Stylish Audio Player

راديو إكسبرس

البث المباشر

مارثا جيتاتشو بيكيلي : مديرة ومؤسسة مشاركة لمنظمة تحولات التنمية (DevTransform)، وهي منظمة غير حكومية أفريقية تكرس جهودها لتحسين ممارسات التنمية.

عندما يتحدث أهل السياسة اليوم عن أفريقيا وتغير المناخ، فإنهم يميلون إلى استخدام الكلمات ذاتها: “القيادة”، و”الفرصة”، و”الحلول”. لم تعد أفريقيا تُصوَّر في المقام الأول على أنها عُرضة للتأثيرات المترتبة على ارتفاع درجات الحرارة، بل على أنها عنصر لا غنى عنه في الاستجابة العالمية لتغير المناخ، مع التركيز على إمكانات القارة في مجال الطاقة المتجددة، ومصارف الكربون الطبيعية، والمعادن الـحَرِجة، وقوة العمل الشابة.

قوبلت إعادة الصياغة على هذا النحو بالترحاب باعتبارها تصحيحا للروايات القديمة التي تصور أفريقيا كضحية. ولكن، عندما ننظر إلى الأمر عن كثب، يتبين لنا أن الاعتراف المتنامي بالدور الذي تضطلع به القارة كقائد عالمي في مجال العمل المناخي يعكس محاولة لتحويل المسؤولية عن أزمة المناخ بعيدا عن الدول الأكثر إطلاقا للانبعاثات تاريخيا ونحو أولئك الذين يُتوقع منهم الآن “تقديم الحلول”.

مع هيمنة مؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغير المناخ المرتقب في عام 2027 (مؤتمر الأطراف الثاني والثلاثين) في أديس أبابا بالفعل على المناقشات السياسية الدائرة في مختلف أنحاء القارة، يتعين على القادة الأفارقة اختيار لغتهم بقدر أكبر من العناية والحرص مقارنة بما فعلوا في الماضي. إذا جرى تبني سردية “الحلول” دون انتقاد، فسوف تتعزز الترتيبات البنيوية التي تديم استغلال أفريقيا المستمر.

ساعدت البيانات الصادرة عن الاتحاد الأفريقي في إضفاء الشرعية على هذا الإطار، كما فعلت الإعلانات الصادرة عن أول قمتين أفريقيتين للمناخ. جمعت القمة الأخيرة بين لغة العدالة المناخية وهدف اجتذاب الاستثمار، كما لو أن معالجة التحديات المناخية في أفريقيا هي مجرد مسألة إثبات جاذبية القارة للاستثمار، بدلا من تصحيح المظالم التاريخية.

في حين تبدو لغة “القيادة” تمكينية، فإنها تنقل عبء العمل المناخي من ميزانيات الدول المتقدمة إلى الأسواق الخاصة وميزانيات الدول النامية. إنها تعيد ترتيب الواقع ــ إذا استعرنا عبارة من منتقدي خطاب التنمية ــ وتجعل من تغير المناخ مشكلة غير تاريخية وغير سياسية.

يكشف تحليل هذه السردية عن التناقضات التي تنطوي عليها. أولا، تُـصَوَّر أفريقيا على أنها مزود محتمل للحلول المتجددة الكفيلة بالتعجيل بتحول الطاقة العالمي. لكن البيانات تُظهِر أنه في حين يرتفع الاستثمار في الطاقة النظيفة، فإن استهلاك الطاقة من مختلف المصادر ــ بما في ذلك الوقود الأحفوري ــ يتنامى على نحو لا ينقطع. وعلى هذا فإن الدول الأفريقية تخاطر بتبني إطار عمل يتجاهل الحاجة إلى خفض استهلاك الوقود الأحفوري ودعم الدول في التكيف مع تغير المناخ.

ثانيا، يجري تصوير غابات أفريقيا، وخاصة حوض الكونغو، على نحو متزايد على أنها بنية أساسية حاسمة لتعويضات الكربون، الأمر الذي يسمح للملوثين من الدول الغنية بمواصلة ضخ الانبعاثات الغازية المسببة للانحباس الحراري. والأسئلة التي ينبغي أن تكون سياسية ــ أي الكيانات يجب أن تدفع ثمن هذه الأرصدة وأي الأراضي وسبل العيش يُعاد تنظيمها نتيجة لهذا ــ تُـختَزَل في الجوانب الفنية للتقييم والتحقق.

ثالثا، يميل إطار “الحلول” إلى التركيز على الوفرة التي تتمتع بها أفريقيا من المعادن الـحَرِجة، اللازمة لتصنيع البطاريات وغير ذلك من التكنولوجيات النظيفة التي تقود التحول الأخضر. لكن هذا يتبع نمطا مألوفا: يقدم المسؤولون الاستخراج على أنه “مساهمة” لا غنى عنها يمكنها تعزيز الصادرات، حتى برغم أن الدول الأفريقية لا تملك غالبا سوى أقل القليل من السيطرة، إن وجدت، على المعالجة أو التسعير، بما يؤدي إلى استفادة محدودة من القيمة.

رابعا، بدأ القادة الأفارقة في الإشارة إلى سكان القارة باعتبارهم رصيدا اقتصاديا. وبالتالي، يُنظر إلى الأفارقة على أنهم مدخلات للتصنيع الأخضر والتصنيع النظيف، بدلا من كونهم مواطنين يجب ضمان كرامتهم من خلال الأجور العادلة والعمل اللائق. ويحجب هذا التأطير من يستفيد من هذه التحولات ومن يصبح عمله في نهاية المطاف قابلا للاستغناء عنه.

عندما لا تصبح العدالة المناخية مسألة مسؤولية والتزام، بل يُنظر إليها على أنها تحدٍ تمويلي تقني، فإن القيادة المفترضة لأفريقيا في مجال الحلول المناخية تُوجه عبر منطق السوق ذاته الكامن وراء تاريخها الطويل من الخضوع للاستغلال (والذي ساعد في خلق الأزمة المناخية). الواقع أن أفريقيا تجازف بالانزلاق إلى فخ قديم: خدمة مصالح الدول الغنية مع البقاء في وضع غير مواتٍ بنيويا.

يجب أن يعمل قادة القارة على تطوير موقف مناخي يركز على أفريقيا ويستند إلى مبدأ الاحتياجات والظروف الخاصة، والذي يعكس فجوات التفاوت البنيوية في القارة الناجمة عن العبودية، والاستعمار، والإبادة الجماعية، والإبادة البيئية؛ والتهميش في الاقتصاد العالمي؛ وفرط التعرض لتغير المناخ. مثل هذا الموقف يجب أن يصر على أن عوامل مثل انخفاض الانبعاثات التي تصدرها أفريقيا، وقدرتها المحدودة على التكيف، ونقص نموها تاريخيا، تبرر المعاملة التفضيلية، والتمويل العام غير المشروط، والحفاظ على حيز السياسات، والقدرة على الوصول إلى التكنولوجيات غير المسجلة الملكية، الميسورة التكلفة، والقابلة للتكيف.

قبل انعقاد مؤتمر الأطراف الثاني والثلاثين، يجب على صُـنّاع السياسات الأفارقة أن يدركوا أن حوكمة المناخ تعطي الأولوية على نحو متزايد لحشد رأس المال على حساب إعادة التوزيع. ونتيجة لهذا، يجب أن يكونوا مستعدين للدفاع عن المطالبات القائمة على العدالة مع تجنب الاعتماد على أدوات تمويل المناخ المولدة للديون، بما في ذلك القروض الميسرة. وينبغي أن ينصب تركيزهم الأبعد أمدا على الانفصال استراتيجيا عن نظام يصور أفريقيا باستمرار على أنها في الأساس مُـوَرِّد لمصارف الكربون، والمعادن الـحَرِجة، وأصول التخفيف لإزالة الكربون في أماكن أخرى.

تتحمل الدول الغنية المسؤولية عن القسم الأعظم من الانبعاثات التاريخية. ويجب أن تشكل هذه الحقيقة العمود الفقري لموقف أفريقيا من المناخ، دون اعتذار أو تخفيف. ينبغي لقادة القارة أن يدركوا سردية “القيادة المناخية” على حقيقتها: فهي خطوة رمزية مدفوعة برغبة بعض أكبر الدول المسببة للانبعاثات على مستوى العالم في تجنب العواقب المترتبة على أفعالها.

 ترجمة: مايسة كامل        Translated by: Maysa Kamel

Loading

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *