كيف يمكننا كهربة الجنوب العالمي

كيف يمكننا كهربة الجنوب العالمي

- ‎فيمقالات رأي دولية, واجهة
أبا عليو - مانوج سينها - وو تشونج أوم
Stylish Audio Player

راديو إكسبرس

البث المباشر

أبا عليو : الرئيس التنفيذي لوكالة كهربة الريف في نيجيريا

مانوج سينها : الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة Husk Power

وو تشونج أوم : الرئيس التنفيذي لتحالف الطاقة العالمي من أجل الناس والكوكب

منذ مطلع القرن، ضاعفت الهند تقريبا نسبة الأسر الموصولة بالكهرباء، من 56% في عام 2000 إلى ما يقرب من 100% اليوم. وبذلك، قدمت الهند واحدة من أكبر المساهمات على مستوى العالم لخفض عجز الكهرباء العالمي، من 1.4 مليار شخص إلى 700 مليون شخص. والآن، قد تكون نيجيريا ــ التي تعد حاليا بين الدول التي تضم أكبر عدد من السكان غير المزودين بالكهرباء على مستوى العالم ــ على وشك إجراء تحول مماثل في مجال الطاقة.

في وقت يتسم بتفاقم حالة انعدام اليقين العالمي، وتصاعد الضغوط المناخية، والتغير التكنولوجي السريع، يعتمد أمن الطاقة والنمو الاقتصادي على أنظمة متكاملة، ومرنة، ومُنشأة محلية، وممكّنة رقميا، وقابلة للاستثمار على نطاق ضخم.

هذه غاية صعبة المنال. لكن يبدو أن صُـنّاع السياسات والمستثمرين يبدون قدرا متزايدا من الالتزام بتحقيقها، وفي ثلاثة أحداث عقدت الشهر الماضي ــ قمة تأثير الذكاء الاصطناعي في الهند في نيودلهي، وأسبوع المناخ في مومباي، وقمة الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا ــ ناقش القادة تجاربهم وتبادلوا الأفكار القادرة على دعم التقدم.

في عملنا لتوسيع نطاق الوصول إلى الكهرباء، تعلمنا بعض الدروس المهمة التي يجب أن تشكل استراتيجيات الكهربة، بدءا من أهمية التكامل لتحقيق الحجم والمرونة. وهذا يعني أن الطاقة يجب أن تأتي من مصادر متنوعة، وأن جميع مكونات أنظمة الطاقة ــ النقل، والتوزيع، والتخزين، والاستخدام النهائي ــ يجب أن تُـخَطَّط وتدار بطريقة متسقة وشاملة.

في نيجيريا، ألزمت الحكومة شركات التوزيع بالحصول على 10% من الكهرباء من مصادر توليد مدمجة، بما في ذلك 5% من مصادر الطاقة المتجددة. علاوة على ذلك، ستعمل شبكة تتألف من شبكات صغيرة مترابطة، ومرتبطة بالبنية الأساسية للشبكة الحالية ولكن لا يمكن التعويل عليها حاليا، على توفير القدرة على الوصول إلى الطاقة على نحو جدير بالثقة لمئات الآلاف من المنازل والشركات.

وتدرس دول أخرى تعاني شبكاتها من ضغوط مالية، بما في ذلك الهند، هذا النموذج، بينما تسعى إلى إيجاد حلول مبتكرة خاصة بها. على سبيل المثال، أطلقت الهند في عام 2024 خطة لتركيب أنظمة طاقة شمسية على أسطح عشرة ملايين منزل، وتعمل الآن على جعل دمج هذه الأنظمة في الشبكات المحلية إلزاميا.

الدرس الثاني المهم هو أن الدول ينبغي لها أن تتبنى الأدوات الرقمية والـمُـمَكَّنة بالذكاء الاصطناعي. في حين رَكَّزَ قسم كبير من الاهتمام على القضايا البيئية التي يثيرها الذكاء الاصطناعي، فقد برزت هذه التكنولوجيا أيضا كحل قوي لتعزيز الوصول إلى الطاقة واستدامتها. بفضل الذكاء الاصطناعي وإدارة الشبكات الافتراضية، أصبح من الممكن الآن تشغيل أنظمة معقدة وموزعة على نطاق كان من المستحيل تصوره قبل بضع سنوات فقط.

وتتعلم ولاية راجاستان الهندية هذا الدرس بشكل مباشر. في إطار مبادرة “شبكات المستقبل” في الهند التابعة للتحالف العالمي للطاقة، التي تستثمر 25 مليون دولار لدعم المرافق في تحديث شبكاتها، قامت الولاية ببناء “نسخة مطابقة” رقمية لشبكة الكهرباء في جايبور وتعمل على تسخير الذكاء الاصطناعي لتقديم رؤى لحظية. سوف تُستخدم البيانات لتقييم حالة الشبكة وتحديد فرص التحسين، بما في ذلك كيفية دمج مصادر الطاقة المتجددة وتخزين البطاريات. هذه المبادرة، التي يبدو أنها ستوفر الوصول إلى الطاقة على نحو أكثر جدارة بالثقة لما يصل إلى 18 مليون شخص معظمهم من سكان الريف، من الممكن أن تعمل كنموذج لإدارة المرافق العامة القائمة على البيانات العالمية.

يتمثل درس ثالث في حقيقة مفادها أن الوصول إلى الطاقة يحقق أكبر عائد اقتصادي واجتماعي عندما تعمل الحكومات ومرافق الخدمات العامة مع الجهات الفاعلة في مختلف القطاعات لضمان توفر ما يلزم من الأدوات، والتدريب، والتمويل لاستخدامها بفعالية. في نيجيريا، تعمل مبادرات مثل برنامج تنشيط الزراعة وبرنامج تنشيط التعليم على تزويد المزارع، والمدارس، والمستشفيات التعليمية بإمكانية الوصول إلى الطاقة النظيفة والقدرات اللازمة لاستخدامها لزيادة الإنتاجية وتحسين الخدمات.

يشجع برنامج Pradhan Mantri Kisan Urja Suraksha evam Utthaan Mahabhiyan في الهند على استخدام الطاقة الشمسية في الزراعة، بما يعزز دخل المزارعين وأمن الطاقة، ويخفض الانبعاثات في الوقت ذاته. وقد أدى برنامج PM-KUSUM، الذي أُطلِق في عام 2019، إلى تحويل أكثر من مليوني مضخة ري، كانت تستخدم في السابق الديزل، إلى الطاقة الشمسية، لتتحسن بذلك سبل عيش أكثر من 600 ألف مزارع.

الدرس الأخير المهم هو أن الاقتصادات الناشئة قادرة على التغلب على تصورات المخاطر المرتفعة وحشد رأس المال الخاص، بما في ذلك من جانب المستثمرين الأجانب. المفتاح يتمثل في تعزيز أطر السياسات، وتقديم إشارات سوقية واضحة، وتشجيع نماذج الأعمال التي أثبتت نجاحها، وتسليط الضوء على قصص النجاح المبكرة.

إن وضع أهداف وطنية طموحة ومحددة زمنيا مع تتبع شفاف يساعد في حشد رأس المال الخاص والحفاظ على المشاركة من جانب رواد الأعمال. كانت هذه هي الحال في الهند، حيث أدت خطة الحكومة لتزويد كل أسرة بالكهرباء، التي أُعلن عنها في عام 2017، إلى استثمارات قوية في تحديث الشبكة الحالية وتوسيع الشبكات الصغيرة، وبالتالي توفير الطاقة للمناطق التي لا تحظى بالخدمة أو تحصل على قدر غير كاف منها.

يبدو أن أفريقيا تأخذ هذا الدرس على محمل الجد. فحتى الآن، التزمت 29 حكومة في القارة بتوصيل 300 مليون شخص بالطاقة التي يمكنهم التعويل عليها بحلول عام 2030. من خلال تقديم اتفاقيات الطاقة الوطنية بأهداف محددة زمنيا إلى البنك الدولي والبنك الأفريقي للتنمية، أشارت هذه البلدان للمستثمرين بأنها مستعدة وراغبة في زيادة الاستثمار في البنية الأساسية للطاقة. وقد حشدت نيجيريا وحدها أكثر من مليار دولار لتوسيع نطاق الوصول إلى الطاقة.

من المؤكد أن الأسواق الجديدة تتطلب دائما مستثمرين جريئين في المراحل المبكرة. لكن أطر السياسات الداعمة، إلى جانب المشاريع التجريبية التي تثبت صحة المفهوم والتمويل التحفيزي والميسر الذي يساعد على تقليل مخاطر الاستثمار، من الممكن أن تجذب الرواد الذين تحتاج إليهم الأسواق الجديدة.

يُـعَـد مشروع الشبكات الصغيرة المترابطة في نيجيريا مثالا على ذلك. فقد بدأ بأربع شبكات فقط تخدم حوالي 6000 منزل وشركة ــ ما يكفي بالكاد لإثبات جدوى المبادرة تكنولوجيا وتجاريا. أضف إلى ذلك التمويل من جانب البنك الدولي، وسرعان ما تتوفر المشاريع الجاهزة للتنفيذ. وتتوقع البلاد الآن أن تجتذب المبادرة مئات الملايين من الدولارات من الاستثمارات الخاصة.

إذا كانت الدول تأمل في تحقيق تقدم سريع في مجال الكهربة، فينبغي لها أن تأخذ هذه الدروس على محمل الجد. وبدلا من الاعتماد على الجهود التدريجية أو النماذج الموحدة، يجب عليها أن تعمل على دمج الأنظمة الموزعة والمركزية، وتحقيق القدر الأقصى من الاستفادة من الأدوات التي تعمل بالذكاء الاصطناعي، وإرسال إشارات جديرة بالثقة تجتذب رأس المال الخاص. لقد أظهرت الهند ونيجيريا ما هو ممكن. وينبغي لدول أخرى أن تحذو حذوهما.

ترجمة: مايسة كامل        Translated by: Maysa Kamel

Loading

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *