راديو إكسبرس
البث المباشر
إيلين ديفيز : رئيسة البرامج في مؤسسة المناخ الأفريقية والمنسق المشارك لفريق خبراء التنمية الصناعية الخضراء
شيما التريكي : المدير الإداري لفريق النمو والمسؤولة الرئيسية عن إعداد التقرير الرئيسي الصادر عن فريق خبراء التنمية الصناعية الخضراء
نمرود زالك : كبير باحثي المناخ والتنمية الاقتصادية في كلية نيلسون مانديلا للحوكمة العامة في جامعة كيب تاون والمنسق المشارك لفريق خبراء التنمية الصناعية الخضراء
جاء مؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغير المناخ الذي اختتم مؤخرا في بيليم بالبرازيل (مؤتمر الأطراف الثلاثين) في عام شديد الأهمية للمفاوضات العالمية بشأن المناخ. كان لزاما على البلدان أن تقدم مساهماتها المحدّثة المحددة وطنيا (NDCs) بموجب اتفاقية باريس للمناخ لعام 2015. من ناحية أخرى، تراجعت بلدان عديدة ــ بما في ذلك قوى كبرى مثل الولايات المتحدة ــ عن التزاماتها المناخية وسط حالة متفاقمة من التشرذم الجيوسياسي وانعدام اليقين.
ولا تبدو التوقعات واعدة. في تقريره الأخير حول فجوة الانبعاثات، يحذر برنامج الأمم المتحدة للبيئة من أنه حتى لو نفذت البلدان التزاماتها الوطنية المحددة بالكامل بحلول عام 2035، فإن العالم سترتفع حرارته بمقدار 2.3 إلى 2.5 درجة مئوية بحلول عام 2100 ــ وهذا أعلى كثيرا من الهدف 1.5 درجة مئوية الذي حدده اتفاق باريس. وسوف يكون لهذا المسار عواقب عالمية وخيمة، مع تأثيرات مدمرة بشكل خاص على أفريقيا، حيث تعاني احتياجات التكيف من نقص التمويل المزمن.
المخاطر من منظور أفريقيا أعظم لأن القدرة على التكيف مع تغير المناخ والتنمية مرتبطان بشكل وثيق في القارة. فلا تستطيع البلدان الأفريقية بناء القدرة على التكيف دون النهوض بالنمو، والعكس صحيح. لكن المجتمع الدولي أظهر مرارا وتكرارا أنه لا يمكن الاعتماد عليه في توفير التمويل لأي من المسعيين. بل على العكس من ذلك، تخفض الدول الغنية ميزانياتها المخصصة للمساعدات الخارجية، حتى في وقت حيث تتنافس بشكل متزايد على المعادن والأصول الاستراتيجية الأخرى في أفريقيا.
لكن هذا التشرذم الجيوسياسي لا يخلو من جانب إيجابي: حيث تتآكل القواعد والأنظمة التي قيدت سياسات التنمية والسياسات الصناعية في أفريقيا. وكما جاء في بيان رأي جديد صادر عن فريق خبراء التنمية الصناعية الخضراء، يتعين على القادة الأفارقة اغتنام هذه الفرصة لتبني نهج “المؤمن بإمكانية التغيير”.
لا ينبغي لنا إهدار حيز السياسات الذي أوجده تفكك النظام المتعدد الأطراف. فأفريقيا لا تملك رفاهية الاختيار بين تراجع النمو (الذي قد يؤدي إلى إدامة الفقر) أو “التلويث الآن والتنظيف في وقت لاحق” (الذي قد يحبس القارة في حلقة الوقود الأحفوري). بدلا من ذلك، يجب عليها أن تعمل على تطوير نهج خاص بها في التعامل مع التصنيع الأخضر. هذا يعني التنويع بما يتجاوز الصادرات من السلع الأساسية، وزراعة الكفاف، والخدمات المنخفضة الإنتاجية، والعمل بدلا من ذلك على تنمية صناعات أعلى قيمة ومتوافقة مع المناخ تدفع عجلة التنمية وتبني المرونة والقدرة على الصمود.
تمتلك أفريقيا كل مقومات التحول الصناعي الأخضر الناجح: موارد وفيرة من الطاقة المتجددة؛ وشريحة سكانية سريعة النمو من الشباب والتي من المتوقع أن تشكل ما يقرب من 25% من سكان العالم في سن العمل بحلول عام 2050؛ ومخزونات ضخمة من المعادن الحرجة اللازمة للتكنولوجيات الرقمية وتكنولوجيات الطاقة النظيفة؛ وإمكانات زراعية هائلة.
الواقع أن تعزيز الصناعات المنخفضة الكربون ــ مثل المنسوجات والأغذية والمشروبات وغير ذلك من السلع الاستهلاكية ــ وتزويدها بالطاقة المتجددة من الممكن أن يُـفضي إلى مكاسب فورية. والمجمعات الصناعية الخضراء والمناطق الاقتصادية الخاصة قادرة على تحفيز هذه التحولات، في حين من الممكن أن تساعد مبادرات الاقتصاد الدائري في عموم الأمر في الحفاظ على القيمة وتحسين الاستدامة.
البلدان الأفريقية قادرة أيضا على تحويل الزراعة من خلال زيادة الإنتاجية، والاستثمار في تكنولوجيات زراعة المحاصيل المتكيفة مع المناخ، وتسخير فرص التصدير التي يوفرها “تصنيع النضارة“. علاوة على ذلك، من الممكن أن يؤدي خفض أسعار المدخلات، لا سيما من خلال استخدام سياسة المنافسة لتفكيك احتكارات الأسمدة، إلى بناء القدرة على الصمود والحد من التعرض للصدمات الخارجية.
ينبغي لإمكانات أفريقيا الوفيرة في مجال الطاقة المتجددة أن تسهّل، بمرور الوقت، التحول إلى صناعات أثقل مثل الصلب والإسمنت (وإن كانت الجدوى التجارية للتكنولوجيات النظيفة المطلوبة لإزالة الكربون من هذه القطاعات التي يصعب التخلص منها لم تثبت بعد). هناك أيضا فرص لتطوير مدخلات التصنيع الأخضر، مثل الألياف الحيوية، والتغليف القابل للتحلل الحيوي.
لعل العقبة الأكبر التي تحول دون تنفيذ هذه الاستراتيجيات هي التمويل. فالمخاطر المتصورة المرتبطة بالاستثمار في الاقتصادات النامية، وضعف مؤسسات الحوكمة، وإخفاقات البنية المالية العالمية تعني أن مبالغ محدودة للغاية من تمويل العمل المناخي تتدفق إلى أفريقيا. نتيجة لهذا، تواجه القارة فجوة تمويلية تبلغ 1.6 تريليون دولار لتحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة بحلول عام 2030.
في حين يجب على القادة الأفارقة مواصلة الدعوة إلى إصلاح النظام المالي العالمي والعدالة المناخية، يتعين عليهم أيضا اتخاذ تدابير فورية. يجب أن تضطلع بنوك التنمية المتعددة الأطراف في أفريقيا بدور أكبر كثيرا في تمويل القطاعات العالية الإنتاجية والبنية الأساسية الخضراء بالاستعانة بالعملات المحلية وآفاق الاستثمار الطويلة الأجل، الأمر الذي يتطلب زيادة رسملة هذه المؤسسات الحيوية وقدراتها الفنية. ينبغي للحكومات أن تضيق الخناق على التدفقات المالية غير المشروعة التي تبلغ نحو 88.6 مليار دولار أميركي إلى خارج أفريقيا كل عام.
يجب على أفريقيا أن تتحرك بحزم في مجال المعادن أيضا. لكسر “لعنة الموارد”، ينبغي للحكومات أن تشترط الحصول على هذه المواد الخام بالاستثمار في المعالجة ذات القيمة المضافة والقدرات الصناعية المحلية، وأن تطالب بشراكات عالمية أكثر عدلا في عموم الأمر.
سوف يعتمد كثير من الأمر على الحكومات الأفريقية في العمل كقوى استباقية في تشكيل السوق: وضع الأهداف الاستراتيجية، وتعزيز الشراكات الديناميكية بين القطاعين العام والخاص، والتكيف مع التغير التكنولوجي. ينبغي لها أيضا أن تستثمر في البحث والتطوير، وتعزيز مهارات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، وتقوية الروابط بين الصناعة والأوساط الأكاديمية. بوضع هذه المهام في الاعتبار، سوف يشكل تعزيز قدرات الدولة ضرورة أساسية لترجمة الطموح إلى تحول اقتصادي مستدام.
أخيرا، من الممكن أن تساعد أمانة منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية ومجلس الوزراء في صياغة أجندة التصنيع الأخضر في أفريقيا وتنسيق المواقف التفاوضية المشتركة في المحافل العالمية. من شأن منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، إذا ما جرى تنفيذها بالكامل، أن تزيد الصادرات داخل القارة بأكثر من 81% والدخل الحقيقي بنحو 7%، وهذا يعني أنها ستكون في وضع جيد يسمح لها بتحفيز تطوير صناعات خضراء جديدة.
يتعين على أفريقيا أن تتجنب استئناف دورها التاريخي كمصدّر للموارد الطبيعية فقط دون اكتساب قيمة مضافة تذكر. وبالاستفادة من حيز السياسات الناشئ، والمنصات الإقليمية مثل منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، والاستراتيجيات الصناعية الطموحة، يصبح بوسع القارة أن ترسم مسارا جديدا نحو الازدهار المشترك. ولكن يجب عليها أن تتحرك بسرعة لاغتنام هذه الفرصة لتشكيل مستقبلها المناخي والتنموي.
![]()








