جولين أونج : كبيرة مديري العلامة التجارية وعضوية تجار التجزئة لدى تحالف Cascale.
بورتلاند ــ أبرزت التطورات الجيوسياسية الأخيرة مدى هشاشة سلاسل التوريد العالمية، وذَكَّرت الشركات في القطاعات المستمرة التطور مثل السلع الاستهلاكية والأزياء بأن قوة العلاقات مع الموردين هي أحد المصادر القليلة الثابتة للمرونة والقدرة على الصمود. والحفاظ على مثل هذه العلاقات من خلال الشراء المسؤول (على أساس الاعتبارات البيئية والاجتماعية، وليس فقط التكلفة والجودة) ليس قيمة أخلاقية فحسب، بل يشكل أيضا ضرورة استراتيجية.
تُـعَـد صناعة الأزياء واحدة من صناعات كثيرة تستشعر ثقل الرسوم الجمركية ــ التي تتسبب في إحداث ارتباكات تأتي في وقت حيث تكافح هذه الصناعة لتحقيق تقدم نحو أهداف المناخ والاستدامة المعلنة سابقا. وفقا لاستطلاع قياسي أجرته عام 2025 رابطة صناعة الأزياء في الولايات المتحدة، يتبين لنا أن 100% من 25 علامة تجارية رائدة في مجال صناعة الملابس وبيعها بالتجزئة تحدد موقف الإدارة الحالية الـمُـفرِط في فرض تدابير الحماية والعلاقات التجارية المتقلبة كتحدٍ رئيسي، وأشار أكثر من نصف المشاركين في الاستطلاع إلى حالة انعدام اليقين بشأن السياسات، وخاصة الرسوم الجمركية الانتقامية، باعتبارها مصدر قلقهم الرئيسي.
بدلا من الاستجابة بخفض التكاليف في الأمد القريب، تعمل شركات السلع الاستهلاكية الكبرى على تنفيذ استثمارات استراتيجية بهدف بناء المرونة. على سبيل المثال، نجد أن شركات بيع التجزئة مثل Walmart وTarget خصصت مقدما مخزوناتها من السلع والبضائع لامتصاص الصدمات الجمركية قبل موسم العطلات؛ واستأجرت شركة Apple رحلات شحن لنقل 1.5 مليون جهاز iPhone من الهند، وهو خيار بات ممكنا بفضل زيادة الإنتاج مع أحد الموردين الرئيسيين.
هذه ليست مجرد تحركات لوجستية، بل هي دليل على أهمية علاقات سلاسل التوريد القائمة على الثقة وسرعة الاستجابة. وممارسات الشراء المسؤولة هي الغراء الذي يحافظ على تماسك سلاسل التوريد في أوقات الالتباس وانعدام اليقين. تشير تقارير شركة Gartner الاستشارية إلى أن ما يقرب من نصف الشركات الضخمة أعادت التفاوض على عقود الموردين أو غيرت استراتيجيات التوريد لكي يتسنى لها إدارة المخاطر المرتبطة بالرسوم الجمركية. وتُـسـتَـخـدَم الآن على نحو متزايد أدوات مثل تمويل سلاسل التوريد ليس فقط طلبا للسيولة، بل كمخازن احتياطية مؤقتة ضد التقلبات. تعكس هذه الاتجاهات إجماعا متناميا على أن سلاسل التوريد المرنة والشفافة والمتوافقة مع القيم هي المفتاح لتجنب حدوث انقطاعات وارتباكات كبرى وصيانة القدرة التنافسية.
من المؤسف أن قطاع الأزياء متخلف في هذا السياق، حيث حصل في عام 2025 على 66 فقط من أصل 100 نقطة على بطاقة أداء صناعة الملابس التي تصدرها مبادرة شركة Cascale (كاسكال) الاستشارية للشراء الأفضل، مع انخفاض على أساسي سنوي في مجالات الشراء المسؤول الرئيسية، بما في ذلك التفاوض على التكاليف، وشروط الدفع، وتطوير المنتجات. وهذا أمر مثير للقلق، خاصة وأن التأثيرات الأولية قد تنتشر عندما تطرأ رسوم جمركية جديدة أو غير ذلك من الصدمات الخارجية. في كثير من الأحيان، يكون من الضروري إعادة التفاوض على تكاليف الإنتاج، وفي غياب علاقات قوية مع الموردين، قد تُـفضي التحولات في الإنتاج إلى زيادة التأخير، ومخاطر العمل، والتعرض لمخاطر السمعة.
هذا الاتجاه مثير للقلق أيضا بسبب التأثيرات المناخية المترتبة عليه. وصناعة الأزياء، بسلاسل التوريد العالمية المعقدة، معرضة بشكل خاص لمثل هذه التأثيرات المتتالية. تؤثر الرسوم الجمركية الأميركية التي دخلت حيز التنفيذ في السابع من أغسطس/آب بشكل مباشر على مراكز التوريد ذات التأثير الكبير على البصمة الكربونية التي تخلفها هذه الصناعة. وجدت شركة Cascale أن 1800 مصنع فقط في تسع دول تمثل أكثر من 80% من الانبعاثات الكربونية المقاسة من صناعات الملابس، والمنسوجات، والأحذية. بين هذه الدول، تأثرت سِـت ــ الصين، وبنجلاديش، وفيتنام، والهند، وتركيا، وباكستان ــ بشكل مباشر بالرسوم الجمركية الجديدة.
قد يؤدي تحويل المصادر بعيدا عن هذه المراكز إلى تجنب تكاليف الرسوم الجمركية في الأمد القريب. لكنه قد يُـفضي أيضا إلى تعطيل الجهود الجارية للحد من الانبعاثات التي تطلقها هذه المصادر الرئيسية. رأينا هذا في عام 2018، عندما تسببت الرسوم الجمركية ضد الصين في دفع زيادة كبيرة في الإنتاج في فيتنام. وبما أن العلامات التجارية تحتاج عادة إلى 14 شهرا في المتوسط لإضافة موردين جدد، فإن مثل هذه التحولات السريعة تُـحـدِث تأثيرا مضاعفا: انتهاكات العمالة، ومُهَل زمنية أطول، ومشاكل ترتبط بالجودة. وبدون تخطيط منسق، فإنها تهدد بتقويض الأهداف المناخية وظروف العمل على حد سواء.
برغم أن الأزياء صناعة تبلغ قيمتها 3 تريليون دولار، فمن المتوقع أن يكون حضورها الرسمي ضئيلا في مؤتمر تغير المناخ الذي تنظمه الأمم المتحدة (مؤتمر الأطراف الثلاثين) هذا العام. وكما كانت الحال في السنوات السابقة، يجري خفض ميزانيات السفر، وتقليص حجم عدد كبير من الفِـرَق، مع تقلص الصناعة في مواجهة تقلبات السوق. خلافا للتجمعات التي تركز على المناخ مثل أسبوع المناخ في مدينة نيويورك أو أسبوع العمل المناخي في لندن، سيركز مؤتمر الأطراف الثلاثين على تمويل التكيف، وتسعير الكربون، والاستراتيجيات القائمة على الطبيعة بدرجة أكبر من تركيزه على إعادة رسم خطوط التجارة أو التوريد.
مع ذلك، ينبغي للعاملين في هذا القطاع أن يولوا اهتماما كبيرا لمعرفة مدى الإقبال العالمي على التمويل والاستثمار المستدام. تستخدم البرازيل رئاستها لمؤتمر الأطراف الثلاثين لتعزيز مبادرات كبرى مثل مرفق الغابات الاستوائية إلى الأبد بقيمة 125 مليار دولار، وهو أداة تمويل مختلط مصممة للمساعدة في سد فجوة سنوية تبلغ 1.3 تريليون دولار في التمويل المناخي بحلول عام 2035. علاوة على ذلك، من الممكن أن تخلف المناقشات حول تسعير الكربون على التجارة الدولية وسلاسل القيمة تأثيرا أعظم من أي إصلاح تجاري في أي صناعة أخرى.
باختصار، لن يقدم مؤتمر الأطراف الثلاثين أي تخفيف مباشر للرسوم الجمركية، لكنه قد يشكل قواعد اللعبة في الأمد البعيد، فيربط بين أهداف الاستدامة، وممارسات التوريد، وعوامل التنافسية من خلال أذرع السياسة التي تقع خارج نطاق السيطرة المباشرة من جانب صناعة الأزياء.
مع استمرار التكاليف المرتبطة بالتجارة، يتعين على قادة الصناعة تغيير طريقة تفكيرهم. لن تأتي مرونة أعمالهم من الدبلوماسية أو المصافحة الرئاسية، بل من العلاقات القائمة على الثقة، وممارسات الشراء العادلة، والإبداعات التي تدفع الاستدامة. يتعين على العلامات التجارية وشركات التجزئة ألا تنظر إلى الرسوم الجمركية على أنها أعباء تكلفة فحسب، بل يجب أن تعتبرها اختبارات ضغط لشراكاتها مع الموردين. فالشركات التي تتخلف عن الاستراتيجيات المدفوعة بالأسعار تخاطر بتقويض قدرتها على تقديم الجودة، والسرعة، والإبداع لمستهلك اليوم الواعي.
على النقيض من ذلك، ستكون الشركات التي تميل إلى الشفافية والتعاون ــ مشاركة التوقعات لضمان الاستمرارية، وتهدئة الطلب من خلال ضبط مستويات الأحمال، وتقديم شروط دفع أكثر عدلا ــ في الأرجح أكثر نجاحا في تجنب الارتفاعات الحادة في انتهاكات العمل وصيانة إشارات السوق اللازمة للحفاظ على الاستثمارات في إزالة الكربون.
في وقت حيث قد تتسبب الرسوم الجمركية والتحولات المرتبطة بالمناخ في تغيير استراتيجيات التوريد بين عشية وضحاها، تُـعَـد الشراكات المرنة أكثر من مجرد أدوات تشغيلية. إنها عوامل تمايز استراتيجي، تشير إلى المساءلة، والاستقرار، والقيادة الأخلاقية لقائمة متزايدة من أصحاب المصلحة الذين يفكرون في المصلحة البعيدة الأمد.
![]()














